في ظل استمرار التطورات السياسية والإنسانية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، تتواصل التحركات العربية والدولية بشأن مستقبل عملية السلام، وحل الدولتين، والأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية، إلى جانب مسار الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه القضية الفلسطينية تحديات سياسية وإنسانية واقتصادية متشابكة، تتعلق باستمرار تداعيات الحرب في قطاع غزة، والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، والوضع الإنساني، وأموال المقاصة، ومستقبل السلطة الفلسطينية، فضلًا عن مكانة القدس ووحدة الأراضي الفلسطينية.
وفي العاصمة السعودية الرياض، يفتح معالي السفير الفلسطيني لدى المملكة العربية السعودية المهندس مازن غنيم في هذا الحوار عددًا من الملفات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، متحدثًا عن طبيعة العلاقات السعودية الفلسطينية، والدور السعودي في دعم الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وحل الدولتين، والتحركات الدولية للاعتراف بالدولة الفلسطينية، إلى جانب الأوضاع في قطاع غزة والضفة الغربية، والجهود الإنسانية وإعادة الإعمار، ومستقبل السلطة الفلسطينية، وأوضاع الفلسطينيين المقيمين في المملكة.
وإلى نص الحوار:
معالي المهندس مازن غنيم السفير فوق العادة والمفوض لدولة فلسطين لدى المملكة العربية السعودية، نرحب بكم في «النخبة العربية»، ونشكركم على إتاحة هذا الحوار للحديث عن العلاقات السعودية الفلسطينية، وتطورات القضية الفلسطينية، ومسار حل الدولتين.
بدايةً، كيف تصفون طبيعة العلاقات السعودية الفلسطينية، وما الذي تمثله المملكة بالنسبة للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني؟
السفير الفلسطيني مازن غنيم:
أشكركم على هذه الاستضافة، وأقدر لـ«النخبة العربية» إتاحة هذا الحوار للحديث عن القضية الفلسطينية وتطوراتها، والدور العربي والسعودي في دعم حقوق الشعب الفلسطيني .
في البداية وجودنا على أرض المملكة العربية السعودية، وفي الرياض تحديدًا، هو وجود نفتخر به، لأنه امتداد لتاريخ طويل من العلاقات الفلسطينية السعودية.
وهذه العلاقة شهدت على مدار تاريخها دعمًا كبيرًا للقضية الفلسطينية، ولم تقصر المملكة العربية السعودية على مدار عقود، منذ عهد الملك المؤسس، طيب الله ثراه، وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
ونحن نلمس هذا الإرث التاريخي في مختلف الاتجاهات، سواء على الصعيد السياسي وفي المحافل الدولية، أو على الصعيد المالي والمعنوي، فقد كان هناك دائمًا دعم كبير مقدم من المملكة العربية السعودية للقضية الفلسطينية.
معالي السفير كيف تقرأون التحول في الدور السعودي تجاه القضية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة؟
السفير الفلسطيني مازن غنيم:
ما نشهده خلال السنوات القليلة الماضية وحتى اليوم هو تحول مهم في الدور السعودي فيما يخص القضية الفلسطينية. فالمملكة كانت داعمًا أساسيًا وركيزة أساسية في دعم الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته، وانطلاقًا من المبادرة العربية للسلام عام 2002، وصولًا إلى ما يتم حاليًا، أصبحت المملكة تقود جهودًا دولية من أجل دعم حل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية وترسيخها كحقيقة وواقع على الأرض، وفق المبادرة العربية وقرارات الشرعية الدولية.
ونحن نتحدث عن دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو، وعاصمتها القدس الشرقية. كما رأينا إنشاء التحالف الدولي من أجل حل الدولتين، والمؤتمر الذي انعقد في نيويورك بقيادة مشتركة فرنسية سعودية، وما نتج عنه من تحركات، إضافة إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية من جانب دول كبرى.
كيف تقرأون التحول في الرأي العام العالمي تجاه القضية الفلسطينية؟
السفير الفلسطيني مازن غنيم:
ما حدث في غزة من معاناة الشعب الفلسطيني أدى إلى تغيير واضح على مستوى الرأي العام العالمي.
وهذا التغيير لم يكن فقط على المستوى الشعبي، وإنما امتد إلى قطاعات المجتمع المدني والجامعات والقطاعات التعليمية والثقافية وغيرها.
وأصبح هناك نقاش واسع حول الرواية الإسرائيلية، وأصبح العالم أكثر إدراكًا لما يجري على الأرض، وما يرتبط بالقانون الدولي الإنساني والاتفاقات الدولية، ومنها اتفاقيات جنيف.
كما أن ما يحدث في الضفة الغربية من توسع استيطاني واعتداءات، وما يرافق ذلك من ضغوط على الفلسطينيين، يؤدي إلى تغيير الواقع على الأرض، ويدفع الفلسطينيين إلى مواجهة ظروف صعبة في قراهم ومدنهم.
ما الأولويات الفلسطينية في المرحلة الحالية بعد التطورات التي شهدها قطاع غزة؟
السفير الفلسطيني مازن غنيم:
خلال العامين أو الأعوام الأخيرة، شهد العالم جرائم ومعاناة كبيرة للشعب الفلسطيني، وكانت هناك محاولات للتهجير.
وأنا هنا أسجل موقفًا مهمًا ومقدرًا لدى الشعب الفلسطيني للرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي وقف في وجه عمليات التهجير، وكذلك الموقف المصري الداعم للقضية الفلسطينية. وهناك تنسيق عربي وفلسطيني وإسلامي في هذا الاتجاه.
ومن الأمور الواضحة ضرورة استعادة وحدة الأراضي الفلسطينية، فيجب أن تعود غزة جزءًا من الوطن الفلسطيني، وأن تكون هناك حكومة وسلاح واحد.
فنحن في الأصل شعب واحد، وغزة والضفة الغربية والقدس تشكل بمجملها أراضي الدولة الفلسطينية ووحدة الشعب الفلسطيني.
ماذا عن التطورات في الضفة الغربية والاستيطان؟
السفير الفلسطيني مازن غنيم:
ما يحدث في الضفة الغربية اليوم هو أمر غير مسبوق في عملية تغيير الواقع على الأرض، من خلال التوسع في بناء الوحدات الاستيطانية وبسرعة كبيرة، بما يؤدي إلى واقع جديد.
ونحن نقول إن المجتمع الدولي يجب أن يتحمل مسؤولياته، وأن يعود إلى الشرعية الدولية وقراراتها، سواء قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن.
وهنا تأتي أهمية التنسيق المستمر والجهود الكبيرة التي تبذلها المملكة العربية السعودية في هذا الاتجاه.
ما المطلوب اليوم لإنقاذ الوضع الإنساني في قطاع غزة؟
السفير الفلسطيني مازن غنيم:
الجهود التي بذلت أسهمت في الوصول إلى وقف إطلاق النار، وكان الهدف الأول هو وقف النزيف الفلسطيني ووقف شلال الدم، حتى نبدأ مرحلة جديدة.
وكان إدخال المساعدات من أهم الأولويات، لأن الشعب الفلسطيني أصبح يواجه ظروفًا صعبة جدًا، ولا تتوفر مقومات الحياة الأساسية بالشكل المطلوب.
والهدف كان أولًا الإغاثة، ثم الانتقال إلى التعافي المبكر، وبعد ذلك إعادة الإعمار.
ونحن نأمل أن تؤدي الجهود المبذولة حاليًا إلى البدء فعليًا على الأرض.
لكن الوضع لا يزال صعبًا، وهناك حاجة كبيرة إلى المواد الغذائية والطبية، إضافة إلى المياه والكهرباء والنظافة الشخصية وغيرها من الخدمات الأساسية.
وماذا عن الوضع السياسي والاقتصادي للسلطة الفلسطينية؟
السفير الفلسطيني مازن غنيم:
إسرائيل ما زالت تمارس ضغوطًا على الشعب الفلسطيني، وهناك ضغوط مالية كبيرة، خصوصًا ما يتعلق بأموال المقاصة الفلسطينية.
وهذه الأموال تشكل عنصرًا رئيسيًا في الموازنة الفلسطينية.
ونحن بحاجة إلى الإفراج عن هذه الأموال حتى تستطيع السلطة الفلسطينية دعم صمود أبناء الشعب الفلسطيني.
واليوم لا تُصرف رواتب الموظفين كاملة، وإنما تُصرف بنسبة 50%، وهذا انعكس على الوضع الاقتصادي العام.
لذلك نحن بحاجة إلى أن تتركز الجهود على إدخال المساعدات، ووقف إطلاق النار الشامل في قطاع غزة، والتعافي المبكر، والإفراج عن أموال المقاصة، ووقف الاستيطان وسرقة الأراضي في الضفة الغربية.
وهذه كلها خطوات ضرورية لتهيئة أرضية حقيقية للعودة إلى تنفيذ حل الدولتين.
هل ترون أن حل الدولتين لا يزال قابلًا للتنفيذ؟
السفير الفلسطيني مازن غنيم:
القضية الفلسطينية تمر بمرحلة دقيقة وحساسة جدًا، وهناك جهود كبيرة تبذل بالتنسيق بين القيادة الفلسطينية والسعودية ومصر والأردن وباقي الأشقاء العرب من أجل العودة إلى عملية السلام والحفاظ على حل الدولتين.
هناك محاولات لتقويض حل الدولتين، ولذلك نعمل من خلال هذه الجهود والضغوط الدولية على الحفاظ على هذا الحل.
ونحن بحاجة اليوم إلى التنفيذ الفوري، وإلى موقف دولي وواضح وصريح بوقف الجرائم التي تمارس ضد الشعب الفلسطيني.
ماذا يمثل الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية بالنسبة لكم؟
السفير الفلسطيني مازن غنيم:
الاعتراف الدولي يشكل عنصرًا مهمًا في مسار تثبيت الحق الفلسطيني، وهناك عدد كبير من الدول التي اعترفت بدولة فلسطين.
وهذا من شأنه أن يشجع مزيدًا من الدول على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ويعيد الاعتبار للقانون الدولي والشرعية الدولية.
ونحن نأمل أن تنتقل فلسطين من وضع عضو مراقب إلى العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، لأن ذلك يمثل ترسيخًا للحق الفلسطيني والدولة الفلسطينية.
والقيادة الفلسطينية لا تطلب قرارات إضافية أو قرارات خاصة بالقضية الفلسطينية، وإنما تطلب تنفيذ القرارات الموجودة أصلًا، سواء قرارات الشرعية الدولية أو مبادرة السلام العربية.
أين تقف القدس في أي تسوية سياسية مقبلة؟
السفير الفلسطيني مازن غنيم:
القدس جزء أساسي من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وهي عاصمة الدولة الفلسطينية، ولها خصوصية ورمزية كبيرة في الوجدان الفلسطيني والعربي والإسلامي والمسيحي.
وبالتالي نحن نتحدث عن دولتنا الفلسطينية في أي حل سياسي قادم، ولدينا اعترافات دولية كثيرة بهذا الموضوع، ونحن بحاجة إلى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه وما نصت عليه قرارات الشرعية الدولية.
وما حدث في المنطقة، سواء في فلسطين أو الإقليم، يؤكد أن حل القضية الفلسطينية وإعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية وإقامة دولته وعاصمتها القدس يشكل صمام أمان لأمن المنطقة بشكل عام.
كيف تصفون أوضاع الفلسطينيين المقيمين في المملكة؟
السفير الفلسطيني مازن غنيم:
هناك دور آخر مهم قامت به المملكة يتعلق باستضافة أبناء الشعب الفلسطيني الموجودين على أراضيها.
وأصبحت العلاقة بين أبناء المملكة وأبناء الشعب الفلسطيني علاقة ترابط وشراكة وتكامل، وهناك علاقات اجتماعية قوية بين الشعبين.
وقد كان هناك رعاية من الحكومة السعودية في المراحل السابقة، واليوم في عهد خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد، يستمر هذا الدعم والرعاية.
وحقيقة، عندما نلتقي بالأخوة هنا في السعودية، سواء كانوا سعوديين أو فلسطينيين، لا أشعر بأن هناك شعبين، وإنما أشعر بأن هناك علاقة واحدة وترابطًا كبيرًا.
والشعب السعودي والقيادة السعودية يقدمان السند والعون لأبناء الشعب الفلسطيني.
ونحن نشكر المملكة العربية السعودية على هذا الكرم الكبير، وعلى ما قدمته وما زالت تقدمه، سواء للقضية الفلسطينية أو لأبناء الجالية الفلسطينية الموجودين على أراضيها، والذين يعيشون في أمن وأمان ويتلقون الرعاية.

في ختام الحوار
نشكركم معالي السفير المهندس مازن غنيم، على وقتكم وإتاحة هذا الحوار لـ«النخبة العربية»، وعلى ما تفضلتم به من رؤى وتوضيحات حول تطورات القضية الفلسطينية، والدور السعودي في دعم الحقوق الفلسطينية ومسار حل الدولتين.
و بهذا الحوار، تقترب «النخبة العربية» من أبرز تطورات القضية الفلسطينية، من خلال رؤية السفير مازن غنيم بشأن الدور العربي والسعودي، ومستقبل حل الدولتين، والأوضاع في غزة والضفة الغربية، ومسار الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ويبقى التحدي أمام المرحلة المقبلة هو ترجمة التحركات السياسية والدبلوماسية إلى خطوات عملية تقود نحو حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس .
السفير الفلسطيني مازن غنيم:
أشكركم، وأتمنى لـ«النخبة العربية» دوام التوفيق والنجاح، وأقدر اهتمامكم بالقضية الفلسطينية وحرصكم على تناول تطوراتها وتسليط الضوء على مختلف جوانبها.



