الأخبارالإقتصادمقالات ورأي

المسلمي يطرح رؤية لتحويل نقل الركاب من التشغيل الفردي والعشوائي إلى منظومة مؤسسية تعتمد على الشركات المرخصة والتكنولوجيا والرقابة

في إطار النقاش المجتمعي حول تطوير منظومة النقل في مصر ورفع معدلات السلامة على الطرق، طرح القبطان أحمد بهائي المسلمي مقترحًا متكاملًا لإعادة تنظيم نشاط نقل الركاب في جمهورية مصر العربية، يقوم على الانتقال التدريجي من بعض صور التشغيل الفردي والعشوائي إلى منظومة مؤسسية مرخصة، تعمل من خلالها شركات وكيانات قانونية تتحمل المسؤولية الكاملة عن المركبات والسائقين وسلامة المواطنين وجودة الخدمة.

ويحمل المقترح عنوان «نحو نقل آدمي وآمن ومنظم للمواطن المصري»، وينطلق من مبدأ أساسي مفاده أن نقل المواطنين ليس مجرد نشاط تجاري، وإنما خدمة تمس بصورة مباشرة حياة المواطن وسلامته وكرامته، وترتبط بالأمن المروري وكفاءة الطرق والمظهر الحضاري للدولة.

شركات مرخصة بدلًا من المسؤولية المجهولة

وتتمثل إحدى الركائز الرئيسية للمقترح في تنظيم مزاولة نشاط نقل الركاب من خلال شركات أو كيانات قانونية مرخصة، مع السماح للشركة، وفقًا لفئة الترخيص، بامتلاك أو تشغيل مركبة واحدة أو أسطول من المركبات.

وتتحمل الشركة المشغلة المسؤولية القانونية والإدارية عن سلامة المركبات وصلاحيتها الفنية والصيانة الدورية والتأمين والتزام السائقين والحمولات المقررة وعدد الركاب والسرعات وخطوط السير، إلى جانب تلقي شكاوى المواطنين والتعامل معها.

ويستهدف هذا التوجه إنهاء حالة تشتت المسؤولية، بحيث يكون لكل مركبة تعمل في نقل المواطنين كيان قانوني واضح يمكن الرجوع إليه ومحاسبته عند وقوع مخالفة أو حادث.

تراخيص مختلفة بحسب طبيعة النشاط

ويقترح المشروع تقسيم نشاط نقل الركاب إلى فئات واضحة، تشمل النقل الجماعي، ونقل العاملين بالشركات والمصانع، ونقل طلاب المدارس والجامعات، والنقل السياحي، والنقل بعقود الشركات والمؤسسات، وخدمات النقل عند الطلب، وغيرها من الأنشطة التي تحددها الجهات المختصة.

ويكون لكل فئة اشتراطات تتناسب مع طبيعة مستخدميها، سواء من حيث نوع المركبة أو سنة الصنع أو التجهيزات أو التأمين أو تدريب السائقين أو وسائل السلامة.

ويولي المقترح اهتمامًا خاصًا بمركبات نقل الأطفال والطلاب، مطالبًا بوضع معايير أكثر صرامة لهذه الفئة نظرًا لطبيعة المسؤولية ومستوى الحماية المطلوب.

حظر نقل المواطنين في مركبات غير آدمية

ومن أبرز بنود المقترح المطالبة بالنص صراحة على حظر الاستخدام التجاري لأي مركبة غير مصممة أو غير معتمدة لنقل البشر في نقل المواطنين.

ويشمل ذلك منع استخدام مركبات نقل البضائع أو الحيوانات أو المعدات وغيرها من المركبات غير المؤهلة لهذا الغرض، مع تحديد أنواع المركبات المسموح بها، والحد الأقصى لعمر المركبة، ومعايير المقاعد والتهوية والتكييف ومخارج الطوارئ ووسائل مكافحة الحريق والحمولة القصوى.

ويؤكد المقترح أن النقل الآدمي يجب أن يتحول من مجرد مستوى اختياري للخدمة إلى حق للمواطن ومعيار قانوني ملزم.

GPS لمتابعة المركبات والسرعات وخطوط السير

وفي محور التحول الرقمي، يدعو المقترح إلى إلزام مركبات نقل الركاب بتركيب أجهزة GPS معتمدة وربطها بمنصة وطنية إلكترونية، بما يسمح – في حدود ما ينظمه القانون – بتسجيل ومتابعة مواقع المركبات وخطوط سيرها وسرعاتها وأوقات الرحلات.

ويمكن أن تتيح المنظومة إصدار تنبيهات بشأن تجاوز السرعات أو الانحراف عن المسارات المحددة، والمساعدة في رصد بعض أنماط القيادة الخطرة، بالإضافة إلى الاحتفاظ ببيانات الرحلة التي يمكن الرجوع إليها عند وقوع الحوادث.

كما يقترح إتاحة الربط بين المنظومة والجهات المختصة في وزارتي النقل والداخلية والإدارة العامة للمرور وفق مستويات صلاحيات وضوابط قانونية محددة.

كاميرات لحماية الركاب والسائقين

كما تتضمن الرؤية تركيب كاميرات داخل بعض فئات مركبات نقل الركاب، وعلى رأسها مركبات نقل الطلاب والنقل الجماعي والعاملين، وفق نظام قانوني يضمن حماية الخصوصية والبيانات الشخصية.

وتساعد التسجيلات عند الحاجة في التحقيق في الحوادث والشكاوى والاعتداءات، وحماية الأطفال والركاب، وكذلك حماية السائق والشركة من الادعاءات غير الصحيحة.

وشدد المقترح على ضرورة تحديد مدة الاحتفاظ بالتسجيلات، والجهات المخولة بالاطلاع عليها، وآليات تشفيرها وحمايتها، وتجريم تداولها أو استخدامها خارج الأغراض التي يحددها القانون.

منصة وطنية وملف إلكتروني لكل شركة ومركبة وسائق

ويقترح المسلمي إنشاء منصة وطنية إلكترونية لنقل الركاب، بحيث يصبح لكل شركة ومركبة وسائق ملف إلكتروني موحد يتضمن بيانات الترخيص والفحص الفني والتأمين والصيانة والمخالفات والحوادث وبيانات التشغيل الأساسية.

كما يقترح تخصيص QR Code لكل مركبة، يستطيع المواطن مسحه بهاتفه للتأكد من أن وسيلة النقل مرخصة رسميًا، والتعرف على الشركة المسؤولة عنها، والوصول إلى قنوات الشكاوى والإبلاغ.

ويمكن لهذه القاعدة المعلوماتية أن تتحول بمرور الوقت إلى مصدر مهم للبيانات يساعد الدولة على دراسة حركة النقل وتحديد الاحتياجات الفعلية للمناطق والمدن والتخطيط بصورة أفضل للطرق وشبكات النقل.

الترخيص المروري وحده لا يكفي

ويفرق المقترح بين ترخيص المركبة مروريًا وبين ترخيص مزاولة النشاط التجاري لنقل الركاب.

فصلاحية المركبة للسير على الطريق لا تعني – بحسب الرؤية المطروحة – أنها مؤهلة تلقائيًا لممارسة نشاط تجاري لنقل المواطنين.

ومن ثم، يقترح استحداث أو تطوير ترخيص مستقل لمزاولة نشاط نقل الركاب تصدره وزارة النقل أو الجهة التي يحددها القانون، بالتنسيق مع وزارة الداخلية والجهات المعنية، ويتم تجديده وفق مؤشرات الالتزام بالسلامة والصيانة وجودة التشغيل.

نافذة موحدة لتأسيس شركات النقل

وفي الجانب الاقتصادي والاستثماري، يشدد المقترح على أن التنظيم الجديد لا ينبغي أن يتحول إلى سلسلة جديدة من الإجراءات البيروقراطية.

ولهذا يدعو إلى إنشاء نافذة إلكترونية موحدة وسريعة لتأسيس وترخيص شركات نقل الركاب، تربط بين وزارة النقل ووزارة الداخلية والمرور والجهات المختصة بتأسيس الشركات والضرائب والتأمينات والجهات المحلية.

ويهدف ذلك إلى فتح المجال أمام صغار المستثمرين وأصحاب المركبات الحاليين للدخول في الاقتصاد الرسمي وتأسيس كيانات قانونية بصورة سهلة، بدلًا من دفعهم إلى العمل خارج المنظومة.

مبادرة تمويلية لإحلال المركبات القديمة

ويتضمن المشروع بعدًا اقتصاديًا واجتماعيًا مهمًا، يتمثل في إطلاق مبادرة قومية لتمويل تحديث مركبات نقل الركاب بالتعاون بين الدولة والقطاع المصرفي والجهات التمويلية المختصة.

وتستهدف المبادرة مساعدة أصحاب المركبات والعاملين الحاليين على شراء مركبات حديثة مطابقة للاشتراطات، وتمويل تجهيزات GPS والكاميرات ووسائل السلامة والتجهيزات الخاصة بنقل الطلاب وذوي الإعاقة عند الحاجة.

كما يمكن أن تتضمن برامج لإحلال المركبات القديمة وغير المطابقة، بما يحقق هدفين متوازيين: تحسين سلامة المواطن والحفاظ على مصالح العاملين في القطاع.

فترة انتقالية قبل التطبيق الكامل

ويرفض المقترح فكرة التطبيق المفاجئ للاشتراطات الجديدة، ويدعو إلى منح العاملين الحاليين فترة انتقالية مناسبة لتوفيق الأوضاع.

وخلال تلك الفترة، يمكن لأصحاب المركبات تأسيس شركات صغيرة، أو الانضمام إلى شركات قائمة، أو استبدال مركباتهم القديمة، والحصول على التمويل، وتركيب أنظمة التتبع والسلامة، واستكمال التراخيص والتدريب المطلوب.

وبعد انتهاء الفترة الانتقالية، يبدأ التطبيق الكامل للمنظومة ومنع مزاولة نشاط نقل الركاب تجاريًا خارج الإطار المرخص.

من المسؤول عند وقوع حادث؟

ويجيب المقترح عن أحد أهم التحديات التي تواجه قطاع النقل، وهو تحديد المسؤولية عند وقوع حادث أو مخالفة.

ففي المنظومة المقترحة سيكون من الممكن – وفقًا للصلاحيات القانونية – تحديد المركبة والسائق والشركة المشغلة وخط السير والسرعة وتوقيت الرحلة وحالة الترخيص وسجل الصيانة والمخالفات، بالإضافة إلى التسجيلات المتاحة إذا كانت المركبة من الفئات الملزمة بالكاميرات.

وبذلك تنتقل المسؤولية من حالة قد تتسم بالعشوائية أو صعوبة التتبع إلى مسؤولية مؤسسية واضحة وقابلة للمحاسبة.

مكاسب اقتصادية إلى جانب السلامة

ولا تقتصر الرؤية على الجانب المروري فقط، إذ يمكن أن يسهم تنظيم القطاع في خلق سوق استثماري واسع يشمل شركات تشغيل وإدارة أساطيل، وشركات تكنولوجيا وتتبع، ومراكز صيانة وفحص، وخدمات تأمين وتمويل، وتدريب وتأهيل السائقين، إلى جانب فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

كما يمكن أن يساعد انتقال النشاط إلى كيانات رسمية في زيادة معدلات الشمول المالي، وتنظيم العلاقة بين السائق والشركة والمواطن، وتحسين البيئة الاستثمارية في قطاع النقل.

12 نتيجة استراتيجية للمشروع

ويستهدف المقترح خفض معدلات الحوادث المرتبطة بالسرعة والقيادة غير المنضبطة، ومكافحة المخالفات الخطرة باستخدام التكنولوجيا، وحماية الطلاب والعاملين ومستخدمي النقل الجماعي، وإنهاء نقل المواطنين في مركبات غير آدمية، وتحديث أسطول النقل، ورفع جودة الخدمة.

كما يستهدف خلق استثمارات وفرص عمل جديدة، وتوفير قاعدة بيانات تساعد الدولة في التخطيط، وتسهيل التحقيق في الحوادث والمخالفات، ورفع مستوى الرقابة والمحاسبة، وتحسين المظهر الحضاري لوسائل النقل المصرية.

«من ينقل المواطن يتحمل مسؤولية سلامته وكرامته»

ويلخص القبطان أحمد بهائي المسلمي فلسفة المقترح في قاعدة رئيسية:

«من ينقل المواطن يتحمل مسؤولية سلامته وكرامته.»

ويؤكد أن الهدف من الرؤية ليس التضييق على أصحاب المركبات أو العاملين في قطاع النقل، وإنما تحويل نقل الركاب إلى صناعة مؤسسية محترمة ومنظمة، بالتوازي مع توفير التمويل والتسهيلات وفترات توفيق الأوضاع اللازمة للعاملين الحاليين.

ويقوم المشروع في جوهره على تحقيق معادلة تجمع بين:

سلامة المواطن + النقل الآدمي + الاستثمار + التكنولوجيا + الرقابة + سهولة ممارسة النشاط + المظهر الحضاري للدولة.

وتمثل الرؤية، حال دراستها من الجهات التنفيذية والتشريعية والمتخصصين وممثلي قطاع النقل، نقطة انطلاق لحوار أوسع حول صياغة إطار تشريعي وتنفيذي حديث يضمن للمواطن المصري وسيلة نقل أكثر أمانًا وكرامة، وفي الوقت نفسه يفتح المجال أمام تأسيس صناعة نقل أكثر تنظيمًا واستدامة وجاذبية للاستثمار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى