مقالات ورأي

لما الكاميرا تبقى صياد تريندات.. التصوير العشوائي من توثيق اللحظة إلى انتهاك الخصوصية

بقلم الخبير التربوي والإستشاري الاسري/ مي عبد الفتاح

زمان، كان للتصوير هيبة. مصور شايل كاميرا تقيلة، يختار الزاوية، يظبط الإضاءة، ويستنى اللحظة المناسبة عشان يطلع بصورة لها قيمة ومعنى.

دلوقتي، ومع انتشار الموبايلات، بقى أي حد تقريبًا قادر يتحول في لحظة إلى «مصور صحافة مواطن»، لكن في أوقات كتير الهدف لم يعد توثيق الحدث أو نقل الحقيقة، وإنما أن تكون أنت أول واحد ينزل الفيديو قبل ما غيرك يلحقه.

بمعنى أبسط: تصوير عشوائي بغرض الترند.. ودي بقت صناعة كاملة.

يعني إيه تصوير عشوائي؟

ببساطة، هو تصوير من غير خطة، ومن غير سياق واضح، وأحيانًا من غير هدف غير الحصول على لقطة تلفت الانتباه.

خناقة في المترو؟ صوّر.

واحد وقع في الشارع؟ صوّر.

موقف محرج لشخص؟ صوّر.

طفل بيبكي؟ صوّر.

المهم إن الموبايل يطلع قبل ما الموقف يخلص، والفيديو ينزل قبل أي حد تاني.

هنا بقى الهدف مش جمال الصورة، ولا حتى قيمة التوثيق.. الهدف هو مين سبق ونشر؟ ومين جاب مشاهدات أكتر.

ليه التصوير ده بقى منتشر بالشكل ده؟

لأن ببساطة، فيه 3 عوامل بتساعده على الانتشار.

أولًا: الخوارزمية بتحب الصدمة

السوشيال ميديا في الغالب بتكافئ المحتوى اللي يوقفك ويشد انتباهك، حتى لو لثوانٍ قليلة.

مشهد غريب، خناقة، موقف محرج، شخص بيصرخ أو حادث مفاجئ.. كلها حاجات بتخلي المستخدم يقول: «إيه ده؟» ويكمل مشاهدة.

ومع كل مشاهدة ومشاركة وتعليق، يزيد انتشار الفيديو، وتتحول لحظة عابرة إلى تريند.

ثانيًا: وهم السبق الصحفي

أحيانًا صاحب الفيديو يشعر أنه حقق سبقًا صحفيًا لمجرد أنه كان أول شخص يصور وينشر.

«أنا اللي جبت اللقطة».

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الحصول على اللقطة أهم من الشخص الموجود داخلها، خصوصًا إذا كان في موقف صعب أو مؤلم.

ومع زيادة اللايكات والشيرز، ممكن أن تختفي الحدود بين الرغبة في التوثيق والرغبة في تحقيق الانتشار بأي شكل.

ثالثًا: مجهود قليل.. ومشاهدات كتير

التصوير العشوائي لا يحتاج في الغالب إلى كاميرا احترافية أو إضاءة أو تجهيزات.

موبايل في اليد، فيديو مدته دقيقة، كابشن مثير وهاشتاج متداول.. وقد يتحول المشهد إلى فيديو يحقق مئات الآلاف أو حتى الملايين من المشاهدات.

وهنا تصبح المعادلة بسيطة:

صوّر بسرعة.. انشر بسرعة.. واحصد المشاهدات.

الوجه الآخر للترند.. عندما يتحول الإنسان إلى محتوى

المشكلة الحقيقية ليست في التصوير نفسه، وإنما في المكان الذي يمكن أن يصل إليه.

شخص بيتخانق مع زوجته، واحد اتسرق، شخص مريض أو واقع في الشارع، طفل بيبكي.. فجأة كل هؤلاء ممكن يتحولوا إلى أبطال لفيديو ترند، رغم إنهم لم يختاروا الظهور أصلًا.

هنا تتحول الضحية إلى محتوى.

والأخطر إننا أحيانًا بنشوف شخص واقع أو محتاج للمساعدة، بدل ما يكون أول رد فعل هو مساعدته، يكون أول رد فعل هو إخراج الموبايل.

«أصور الأول وبعدين أشوف».

وهنا السؤال: إمتى فقدنا القدرة على إننا نساعد قبل ما نصور؟

10 ثوانٍ ممكن تغيّر صورة شخص للأبد

أحيانًا فيديو مدته 10 ثوانٍ يكون جزءًا صغيرًا جدًا من قصة أكبر.

لكن لما الفيديو ينتشر من غير سياق، الناس بتحكم على الشخص من خلال اللحظة اللي شافوها فقط.

وقد يتحول شخص عادي إلى مادة للسخرية والتنمر، ويظل الفيديو موجودًا على الإنترنت حتى بعد ما ينتهي الترند بوقت طويل.

الترند ممكن ينتهي خلال 48 ساعة، لكن اللقطة اللي أضرت بكرامة إنسان ممكن تفضل موجودة لسنوات.

إحنا أحيانًا ما بقيناش بنوثق الألم عشان نكشفه أو نعالجه، لكن عشان نجيب منه Views.

طيب.. هل الحل إننا نستغني عن  الموبايل؟

طبعًا لا.

التصوير وسيلة مهمة، والموبايل أصبح أداة قوية لتوثيق الأحداث وكشف الوقائع ونقل ما يحدث في المجتمع.

لكن قبل ما تدوس زر Record، اسأل نفسك 3 أسئلة:

هل أنا بوثق ولا بفضح؟

في فرق كبير بين إنك توثق واقعة عامة أو فساد أو اعتداء، وبين إنك تصور شخصًا عاديًا في موقف خاص بهدف السخرية منه أو التشهير به.

هل أنا هساعد ولا هتفرج؟

لو قدامك شخص واقع أو محتاج للمساعدة، ساعده الأول.. وبعدها لو كان التصوير له قيمة حقيقية، فكر في التوثيق.

هل أقبل ده على نفسي؟

لو الفيديو اللي بتصوره كان فيديو ليك أو لحد من أهلك.. هل كنت هتقبل إنه ينتشر بنفس الطريقة؟

السؤال ده وحده ممكن يمنعنا من نشر حاجات كتير.

في النهاية.. إحنا عايزين نبقى إيه؟

التصوير العشوائي مش مجرد ظاهرة على السوشيال ميديا، لكنه انعكاس لطريقة تعاملنا مع اللحظة نفسها.

بقينا أحيانًا نفكر في اللقطة قبل ما نفكر في الإنسان، وفي المشاهدات قبل ما نفكر في تأثير الفيديو على صاحبه.

والحقيقة إن الترند بيجي ويروح، والـViews بتزيد وتقل، لكن كرامة الإنسان مش محتوى مؤقت.

لذلك، قبل كل لقطة، وقبل ما ترفع الموبايل وتضغط Record، اسأل نفسك:

أنا عايز أبقى تريند.. ولا عايز أبقى بني آدم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى