في حوار خاص ..رجل الأعمال أحمد المسلمي: "قوة الاقتصاد لا تُقاس بسعر العملة".. قراءة جديدة لوضع الجنيه المصري
رجل الأعمال أحمد المسلميفي ظل الجدل المتصاعد حول سعر صرف الجنيه المصري، كان السؤال الأول الذي طرحته على المهندس أحمد المسلمي، الرئيس التنفيذي لمجموعة شركات جيتس ديفيلوبمنت القابضة، بسيطًا في صياغته، عميقًا في مضمونه: هل تعكس قيمة العملة بالفعل قوة الاقتصاد؟
يبتسم قليلًا قبل أن يبدأ في تفكيك هذا المفهوم، مؤكدًا أن الخلط بين قيمة العملة وقوتها من أكثر الأخطاء شيوعًا. يوضح أن قيمة العملة ليست سوى سعرها أمام العملات الأخرى كالدولار واليورو، بينما تعكس القوة الحقيقية للعملة قوة الاقتصاد ذاته، بما يتضمنه من إنتاج وصادرات واستثمارات واحتياطي نقدي ومستوى تشغيل.
ومن خلال سؤالي حول إمكانية وجود دول بعملات منخفضة لكنها قوية اقتصاديًا، استدعى نماذج عالمية واضحة، مشيرًا إلى اليابان، حيث يبدو عملة الين منخفض القيمة أمام الدولار، لكنه لم يمنع البلاد من أن تكون واحدة من أكبر القوى الاقتصادية عالميًا، مدعومة بشركات عملاقة مثل Toyota - Sony-Mitsubishi - Panasonic.
لم أكتفِ بذلك، فانتقلت بسؤالي إلى الصين، باعتبارها النموذج الأوضح في العصر الحديث.
هنا، لم يكتفِ بالإشارة إلى سياسة سعر الصرف، بل توسع في شرح الصورة الكاملة، موضحًا أن قوة الاقتصاد الصيني لم تأتِ من سعر العملة فقط، بل من منظومة متكاملة.
فالصين، كما أوضح، اعتمدت على قاعدة صناعية ضخمة جعلتها "مصنع العالم"، مدعومة بتكلفة إنتاج تنافسية، وبنية تحتية قوية، وقدرة هائلة على التصدير إلى مختلف الأسواق ، كما نجحت في جذب استثمارات أجنبية ضخمة .
وأضاف أن الحكومة الصينية لعبت دورًا محوريًا في توجيه الاقتصاد، من خلال دعم القطاعات الإنتاجية، والتوسع في التصنيع، والاستثمار في التكنولوجيا، إلى جانب الحفاظ على سعر صرف تنافسي يعزز من قدرة المنتجات الصينية على المنافسة عالميًا.
هذه العوامل مجتمعة — وليس فقط سعر العملة — هي التي مكنت الصين من تحقيق فوائض تجارية كبيرة، وفرض نفسها كقوة اقتصادية عالمية، لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
ومع تصاعد الحديث عن سعر الجنيه، طرحت عليه تساؤلًا مباشرًا: هل تسعى الدول أصلًا إلى رفع قيمة عملاتها؟
جاءت إجابته حاسمة، بأن هذا الاعتقاد غير دقيق، موضحًا أن ارتفاع العملة قد يضر بالصادرات، بينما يساعد السعر التنافسي على زيادة الإنتاج والتشغيل وتحقيق النمو.
وعندما وجهت الحديث نحو مصر، كان واضحًا أن لديه رؤية متفائلة ولكن مشروطة. فقد أكد أن مصر تمتلك مقومات قوية في الصناعة والزراعة والخدمات، من الصناعات الهندسية والكيماوية والغذائية، إلى الصادرات الزراعية، وصولًا إلى قناة السويس والسياحة والخدمات اللوجستية، بالإضافة إلى تحويلات المصريين بالخارج.
لكن السؤال الأكثر حساسية ظل مطروحًا: هل يعني انخفاض قيمة الجنيه ضعف الاقتصاد؟
هنا، شدد على أن الإجابة ليست مطلقة، موضحًا أن الأمر يتوقف على كيفية إدارة هذا الانخفاض، فإذا لم يصاحبه إنتاج وصادرات واستثمارات، يصبح عبئًا، أما إذا استُخدم بشكل صحيح، فقد يتحول إلى فرصة حقيقية.
ومع استمرار الحوار، حاولت الوصول إلى جوهر القضية: ماذا تحتاج مصر فعليًا للاستفادة من هذا الوضع؟
فجاءت الإجابة في صورة خريطة طريق واضحة، تبدأ بزيادة الإنتاج الصناعي، ودعم التصدير، وتقليل الواردات، وتطوير البنية التحتية، وجذب الاستثمارات، والتوسع في الأسواق الخارجية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وفي ختام الحوار، عدت إلى السؤال الأول بصيغة أكثر تحديدًا: كيف تُقاس قوة العملة؟
ليؤكد أن قوة العملة لا تُقاس بسعرها أمام الدولار، بل بقوة الاقتصاد الذي يقف خلفها، مستشهدًا بتجارب اليابان والصين.
ينهي حديثه بعبارة تلخص رؤيته بالكامل:الاقتصادات القوية هي التي تصنع عملات قوية، وليس العكس.

