هذا الموقع يتطلب تشغيل JavaScript للعمل بشكل صحيح. رجاءً قم بتمكين JavaScript في المتصفح.
التحقيقات والرأى

موت أم كلثوم

img_preview حفل بيروت نوفمبر 1964
كتب : رضا رفعت السبت، ٦ يونيو ٢٠٢٦ في ١٣:٤١
مشاركة :
whatsapp facebook twitter

بقلم: زياد تامر

أتقدم باعتذار مسبق لكل من قد يزعجه هذا المقال -إن تكرّم وقرأه- إذا لم يجده بالعمق الذي ينشده؛ فلست هنا بصدد الحديث عن آخر بلاغات النائب العام، ولا عن أحدث صيحات العنف والجنون التي تجتاح الشارع، ولا حتى عن لهيب الصيف الحارق. هنا، يتنحى كل شىء ليبقى الفن وحده موضوعًا ومتنًا.

قد يتساءل القارئ -وهو يتصفح سطوري عن "سومة"-: ألا يملك هذا الكاتب شغلًا شاغلًا سوى أم كلثوم، ونحن نعيش تحت ظلال الحروب، والغلاء، وعالم ينهار ويزداد سعيرًا؟

أعترف أن هذا السؤال من بديهيات عصرنا المأزوم؛ فكما أشرت في مقال سابق، غدت رفاهية التفكير في هذه الأمور غريبة عن المواطن المصري المطحون. فالدنيا تشتعل حولنا، وأنا ما زلت أتحاور مع فن قديم!

لكنني، في غمرة هذه "الرفاهية" المجازية، أجد نفسي مدفوعًا للحديث مرارًا عن أم كلثوم وسواها من علامات مصر المضيئة. إننا، بطريقة ما، نُصر على الانحدار نحو نمط حياة بيولوجي بحت: نأكل، ونشرب، ونتناسل، ونعيد الدورة؛ بلا مساحة للروح، ولا متسع لغذائها ومتعتها. نتحول إلى كائنات لا تملك من مسيرة نهضتها شيئًا، ولا تدرك حجم التراث والمجد الذي بنيناه عبر العقود، واليوم نلقي به في سلة الإهمال.

في جحيم الحرب العالمية الثانية، لم تتوقف الفنون لحظة واحدة -إلا أثناء القصف الشديد- بل ظلت المسارح ودور السينما غاصة بالإبداع والمبدعين. الخلاصة التي أريد صياغتها هنا واضحة: لدينا تراث بديع عتيق، إذا فرّطنا فيه ضعنا؛ فما من أمة تستحق الكرامة والإباء وهي تهمل أمجادها وحضارتها.

 

§        أكذوبة الأرشيف

لا يجهل أحدٌ أم كلثوم؛ فهى "الهرم الرابع" لمصر، واسمها توأم لاسم الوطن. غير أن مسيرتها الطويلة الطافية على السطح لم يبقَ منها في وعينا العام سوى تسجيلات العقود الثلاثة الأخيرة من حفلاتها، وقليل من أسطوانات الاستوديو القديمة.

تملك مصر أضخم أرشيف إذاعي صوتي في العالم العربي من أغنيات وسهرات. تفخر الإذاعة بهذا الكنز، وترفع ليل نهار شعار "قليلٌ من الكلام.. مزيدٌ من الطرب"، لكن المفارقة الصادمة أننا لا نجد سوى الكلام!

لا نكاد نسمع سوى وصلات بعينها تدور في حلقة مفرغة، حتى لتبدو الإذاعة كمن يعيد بث الوصلة ذاتها شهريًا! وهنا أتساءل: إذا كنا نملك إرث أم كلثوم والعمالقة، فأين هو حقًا؟ هل تآكلت شرائطه وتلفت؟ أم أنه بات حكرًا على قلة حظيت بالحظوة؟

إن الأزمة الكبرى التي تواجهنا اليوم تكمن في أن التراث الصوتي هو الأشد هشاشة وحساسية مقارنة بالآثار البصرية أو المكتوبة. قد تقرأ مقالًا يوثق حفلة تاريخية بالصور، يصف أجواءها وتفاعل جمهورها، في حين أن الشاهد الأوحد والمؤكد على الإبداع -وهو الصوت- قد قُذف به في غيابات العدم.

أم كلثوم ليست مجرد "أنت عمري" و"ألف ليلة وليلة"، كما أن عبد الوهاب ليس "فكرونى" و"دارت الأيام" فحسب. ولعل عبد الحليم حافظ كان أوفر الثلاثة حظًا، إذ حُفظت وأُذيعت معظم حفلاته الإذاعية والمصورة.

 

§        خيبات الخميس

في سبتمبر الماضى، زفت الإذاعة بشرى سارة ببدء بث حفلات نادرة لأول مرة. وإنصافًا للحقيقة، لا يمكننى نقد القائمين عليها بإطلاق؛ فكما يقصرون في مواضع، يُحسنون فى مواضع أخرى عبر إخراج بعض الحفلات الساهرة النادرة لشتى المطربين. 

ككل محبي "كوكب الشرق"، تحمست للخبر وانتظرت الحفل النادر، لكن الخيبة كانت الموعد الثابت في الخميس الأول من كل شهر. ما يُبث ليس سوى حفلات خارجية متوفرة بغزارة على الإنترنت والمنتديات! يتعلل مسؤولو الإذاعة بأنهم يقدمونها بـ "جودة أعلى"، لكن الواقع يصدمنا برداءة الصوت أحيانًا، كما حدث في حفل سينما دمشق (وصلة ذكريات).

وهنا يفرض السؤال نفسه: ما هو مفهوم "الندرة" لديهم؟ هل مجرد بث المادة لأول مرة عبر الموجات الإذاعية يجعلها نادرة؟ وهل المصدر أصلاً من أرشيف الإذاعة الرسمى؟

الإذاعة تبث الحفلات الأربعينية القليلة المعروفة بجودتها العالية ومقاطعها النادرة غير المسجلة عند الهواة، وتفعل المثل مع حفلات الخمسينات وحتى أوائل 1973. فلماذا هذا الفارق الشاسع في الجودة والندرة لو كان المصدر واحدًا وهو الأرشيف؟ أم أن الأمر لا يتعدى الاتكال على تسجيلات الهواة كسلًا من العاملين عن البحث والتنقيب الدقيق؟

 

§        المفقودات

أهم المفقودات الكلثومية التى حُرمنا من سماعها:

"كل الأحبة اتنين اتنين": غنتها في منتصف الأربعينات (ذروة عصرها الذهبى)، ولم يتبقَ منها سوى النوتات الموسيقية التى أعادت بعض المطربات غناءها، فلا تسجيل الاستوديو متوفر ولا الحفلات.

"قصيدة النيل" (أحمد شوقى - 3 فبراير 1949): المتوفر من هذا الحفل فقط أغنية "أذكرينى" (للمرة الأخيرة) و"غلبت أصالح"، فأين قصيدة النيل التي افتتحت بها الحفل كما يؤكد الموثقون؟

"يا ظالمنى" (الوصلة الأولى): تملك الإذاعة الوصلة كاملة، بل وحصل عليها بعض الهواة، فما المانع من إذاعتها؟

"رق الحبيب" (الأولى وحفلات الأربعينات): كانت هذه الأغنية زلزال الأربعينات وقوة القصبجى الضاربة. قيل إنها غنتها قرابة 200 مرة، ولم يصلنا من الأربعينات سوى حفل النادى الأهلى 1944 (وهو غير كامل)، ومن الخمسينات أربع وصلات فقط!

"غلبت أصالح" (الأولى وحفلات عام 1948).

"أنا وأنت وأنت وأنا": من كلمات بيرم التونسي وألحان زكريا أحمد، مفقودة تمامًا كحفلة.

"هلت ليالي القمر" و"غنى الربيع": غنتهما كثيرًا في الحفلات، ولم يصلنا سوى النسخة اليتيمة المعروفة لكل منهما، رغم توفر تسجيل الاستوديو.

تراث الثلاثينات والأربعينات (المدفون): طقاطيق ومونولوجات القصبجى مثل "ليه تلاوعينى"، وصلات أخرى لمونولوج "يا قلبى بكرة السفر"، "مدام تحب بتنكر ليه"، و"يا مجد".

"افرح يا قلبى": في حفل زفاف الأميرة فوزية (29 مارس 1939)، غنت "مبروك على سموك وسموه" (متوفرة)، أما "افرح يا قلبى" فلا يتوفر من وصلتها سوى 8 دقائق من تسجيلات الهواة.

مونولوج "يصعب عليّ": من أواخر ألحان القصبجى المغمورة، وشعر أحمد رامى.

"حلم": لا تتوفر منها سوى وصلة واحدة فقط.

"أغار من نسمة الجنوب": لا نملك سوى حفلتين، وتزعم الإذاعة أن الثانية هى الأخيرة، رغم وجود توثيقات تؤكد غناءها لها فى حفلات أخرى.

"ثورة الشك": وصلة وحيدة يتيمة عام 1958، والتوثيقات تؤكد غناءها أربع مرات أخرى منها فى الإسكندرية، ورغم ذلك تصر الإذاعة على أنها المرة الأولى والأخيرة!

روائع صوتية ومرئية لا حصر لها، التهمها الغياب واندثرت تمامًا.

§        محتكرو التراث

لماذا تُحجب هذه الوصلات عن البث فى "الخميس الأول" أو غيره؟

ربما لأن الوعى الجمعى بات خامدًا؛ فقليلون هم من يكترثون بالنوادر، إذ يرى الأغلبية أن الأغنية مجرد طرب عابر وكفى. هذا الفقر في الوعى يمثل البيئة المثالية لنمو الكسل والإهمال؛ إذ يرى العاملون فى هذا الحقل أن العناية بالقديم المنسى نوع من العبث, فتركوها للموت توفيرًا للجهد!

أما عن شرائط الحفلات، فهل يعقل أن الإذاعة لا تملكها؟ من المستحيل الجزم بذلك، خاصة وأن مسؤوليها يلوذون بالصمت الضبابى. لكننا سنفترض هذه المرة أنها "موجودة" ولكنها لا تُذاع لعامة الناس.

في ثاني أيام عيد الفطر، نشرت الإذاعة تنويهًا عن بث وصلة "أنا في انتظارك" من حفل النادى الأهلى 1944 (والتي لا يتوفر منها سوى أقل من 20 دقيقة)، وفجأة تغير المنشور واستُبدلت الوصلة بأخرى من الحفلات المستهلكة المتوفرة!

لقد حدثت مشادة بين صديق لي سخر من الإذاعة -والأمر يدعو للسخرية المريرة- وبين الأستاذ (أ. ح)، حيث زعم الأخير أن الوصلة موجودة بالأرشيف، وعندما واجهه صديقى بسؤال: "لماذا لا تذيعونها إذن؟" غاب الرد الصريح.

يزعم صديقي وبعض الهواة أن المدعو (أ. ح) يحتكر وصلات الإذاعة؛ يختص نفسه بالنوادر ويقذف للجمهور بالفتات. وهنا نسأل: من أين جاءه هذا الحق؟ ولماذا يحتاج المواطن المصري أو العربى إلى "مكرمة" أو فضل من أحد ليستمع إلى تراث بلده؟

هل نحن أمام وجه آخر من وجوه الفساد فى القوى الناعمة؟ هل كُتب علينا أن نعيش على فتات الكبار المتنفذين؟ حتى أم كلثوم تحولت إلى سلعة محتكرة، تُذاع حفلة وتُحجب أخرى خوفًا من تسجيل الهواة لها، وكأن الأفضل أن تظل كنزًا مدفونًا لفئة حظيت بالرضا والوصول!

 

§        بيع الحضارة

من الشائع والمكشوف سعى بعض الدول الخليجية الدؤوب لشراء التراث المصرى لعرضه عبر شاشاتها. وطالما أن أصحاب الحضارة غافلون وزاهدون، فلماذا لا يشترونها؟

بالفعل، نرى القنوات الكلاسيكية الخليجية تعرض وصلات مرئية نادرة لأم كلثوم؛ فمن أين حصلوا عليها؟ أمن محتكرى الوصلات؟ أم من الأرشيف مباشرة؟ أم من التراث الذى غفل عنه أهله؟

قرأت مؤخرًا منشورًا لثرى خليجى يستعرض فيه آخر مقتنياته النادرة التى اشتراها من تراث ليلى مراد! كيف خرجت هذه المقتنيات؟ ولماذا لا تضمها المتاحف المصرية؟ أليس أبناء مصر أولى بها؟ الإجابة المريرة: لا، لم تعد كذلك.. فقد اشتراها من يملك السيولة.

وقس على ذلك كل الفنون التراثية والمعاصرة؛ تحول إرثنا إلى بضاعة سهلة تقتنيها الأموال الخليجية، بينما يغط أبناء النيل في سبات عميق.

إن اللوم لا يقع على عاتق الإذاعة وحدها، بل على وعينا المشوه. أنا لا أطلق هنا دعوة راديكالية للانعزال وسماع القديم فقط، بل أدعو للمزج والاعتزاز بالقديم والحديث بكافة أصنافه، لنتخذ من أصالة الماضى ركيزة نثري بها الحاضر.

كل ما نحتاجه هو أن نفيق قليلًا من هذا السبات الطويل، لنستوعب حجم الروائع التى نخسرها يوميًا مما بناه أسلافنا.

hdgf
آخر الأخبار
اعلن معنا