من إدارة الأزمة إلى صناعة النصر .. قراءة إدارية في حرب أكتوبر المجيدة
بقلم د/ عمرو عبد العليم
هناك أحداث تمر في التاريخ لتحكى باعتبارها وقائع، وهناك أحداث تتحول إلى مدارس تتعلم منها الأجيال.
وحرب أكتوبر 1973 واحدة من تلك اللحظات التي لا ينبغي أن تقرأ فقط من زاوية عسكرية أو تاريخية، وإنما يمكن النظر إليها أيضا باعتبارها نموذجا استراتيجيا غنيا بالدروس في التخطيط، وإدارة الأزمات وصناعة القرار وإدارة الموارد والقيادة، وإدارة المخاطر.
فالنصر لا يبدأ لحظة إطلاق النار، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير يبدأ عندما تمتلك القيادة القدرة على فهم الواقع وتشخيص الأزمة، وتحديد الهدف وبناء البدائل، وإدارة الموارد وإعداد الإنسان، ثم تحويل الخطة إلى فعل في اللحظة المناسبة.
وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل الإدارية التي يقدمها لنا أكتوبر وهي أن الأزمات لا تدار فقط للخروج منها بل يمكن أن تتحول بالإدارة الواعية إلى نقطة انطلاق لصناعة الإنجاز لأن الأزمة لا تبدأ يوم وقوعها وإنما تسبقها عادة مؤشرات وتحديات وتراكمات تتطلب قراءة واعية للواقع.
وفي أعقاب حرب يونيو 1967، واجهت مصر وضعا شديد التعقيد، فرض إعادة بناء القدرة العسكرية والاستراتيجية، وإعادة تقييم الخبرات السابقة، وإعادة تنظيم الموارد والجهود، والاستعداد لمعركة مختلفة في طبيعتها وأهدافها.
وهنا يظهر الدرس الإداري الأول الذي يناقش أن الإدارة الناجحة لا تنتظر الأزمة حتى تقع بل تبدأ في بناء القدرة على مواجهتها قبل وقوعها.
فإدارة الأزمة الحقيقية تبدأ من مرحلة الاستعداد، وليس من غرفة العمليات فقط، أي من تشخيص الواقع إلى تحديد الهدف.
مثال أي مؤسسة تواجه تحدي كبير تحتاج أولا إلى إجابة عن سؤالين:
أين نحن الآن؟ وإلى أين نريد أن نصل؟ وهما السؤالان اللذان يمثلان جوهر التخطيط الاستراتيجي.
وفي التجربة المصرية قبل حرب أكتوبر، كان هناك إدراك لطبيعة الموقف والقيود القائمة، ثم جرى العمل على بناء استراتيجية تتناسب مع الإمكانات المتاحة وطبيعة الهدف.
وهذا درس إداري شديد الأهمية يتطلب أن لا تبني استراتيجيتك على ما تتمنى امتلاكه، بل على فهم دقيق لما تملكه، وما تستطيع تطويره، وما تستطيع تحقيقه.
فالاستراتيجية الناجحة ليست قائمة الأمنيات، وإنما فن المواءمة بين الأهداف والإمكانات والقيود والفرص والمخاطر.
في عالم الإدارة، هناك فرق كبير بين أن تكون لديك فكرة، وأن تكون لديك خطة، وأن تمتلك القدرة على تنفيذ هذه الخطة.
الفكرة تناقش ماذا نريد؟ أما الخطة فتجيب: كيف سنصل؟
والإدارة التنفيذية تضيف السؤال الأصعب: هل نستطيع التنفيذ فعلا؟ ومن الدروس التي يمكن قراءتها في حرب أكتوبر أن التخطيط لم يكن مجرد قرار بالتحرك، بل ارتبط بإعداد شامل للموارد، والتدريب، والتوقيت، وتنسيق الأدوار، والاستعداد لمتغيرات الموقف.
وهذه هي الإدارة في صورتها الحقيقية: أن تجعل التنفيذ امتدادا طبيعيا للتخطيط.
فكم من مؤسسة لديها استراتيجيات رائعة على الورق، لكنها تفشل لأن الخطة لم تتحول إلى إجراءات، والإجراءات لم تتحول إلى سلوك، والسلوك لم يتحول إلى نتائج.
من هنا جاء دور الإنسان كأولوية قبل السلاح والموارد كأهم الدروس الإدارية التي يمكن استخلاصها من أكتوبر أن الموارد وحدها لا تصنع النجاح، وأن المعدات تحتاج إلى إنسان يعرف كيف يستخدمها، والخطط تحتاج إلى إنسان يفهمها، والقرارات تحتاج إلى قيادات قادرة على تنفيذها، والأزمات تحتاج إلى أفراد يمتلكون الانضباط والمرونة والقدرة على العمل تحت الضغط.
ولهذا فإن العنصر البشري كان ولا يزال جوهر أي منظومة ناجحة.
ومن هنا فإن الاستثمار في التدريب، وبناء المهارات، وإعداد القيادات، ورفع الروح المعنوية، وتحديد الأدوار والمسؤوليات، كلها ليست إجراءات ثانوية بل عناصر أساسية في بناء القدرة المؤسسية.
وهنا يمكن اختصار الدرس في عبارة واحدة: لا توجد استراتيجية عظيمة دون إنسان قادر على تنفيذها.
فالقيادة ليست إصدار الأوامر لأن القائد عليه أن يجعل الناس يؤمنون بإمكانية تحقيق الهدف، وأن يحافظ على تماسكهم، وأن يتحمل مسؤولية القرار، وأن يظل قادرا على العمل عندما تكون المعلومات ناقصة والضغوط مرتفعة، وفي الظروف الاستثنائية تصبح القيادة قدرة على توجيه الموارد والطاقات نحو هدف مشترك.
ولهذا فإن أحد أهم دروس أكتوبر هو أن القيادة الفعالة لا تتعلق فقط بمن يتخذ القرار، وإنما أيضا بكيفية بناء منظومة قادرة على تنفيذ القرار.
إدارة المعلومات كانت نصف المعركة باعتبارها أصل استراتيجي، ومن يمتلك معلومات أفضل، ويحللها بصورة أفضل، ويعرف كيف يستخدمها في الوقت المناسب، يمتلك ميزة في صناعة القرار.
ولهذا فإن المعلومات في الأزمات لا تدار بعشوائية.
وقد ارتبطت حرب أكتوبر بجوانب متعددة من العمل الاستخباراتي والأمني والتخطيط والخداع الاستراتيجي، بما ساعد على تحقيق عنصر المفاجأة وإرباك تقديرات الخصم.
ولكن ليست كثرة المعلومات هي التي تصنع القرار الجيد، وإنما القدرة على تحويل المعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار.
ولأن القرار في الظروف الطبيعية يختلف تماما عن القرار في الأزمة، لأنه في الظروف الطبيعية يمكن جمع المزيد من المعلومات وتأجيل القرار ودراسة البدائل.
أما في الأزمات فقد يكون الوقت محدود والمعلومات غير مكتملة وتكلفة التأخير مرتفعة.
ولهذا يحتاج صانع القرار إلى ثلاثة عناصر أساسية وضوح الهدف، وسرعة الاستجابة، والقدرة على تحمل المسؤولية.
وهنا تظهر قيمة التدريب المؤسسي لأن القرار الجيد في الأزمة لا يبدأ وقت الأزمة، وإنما يبدأ من إعداد القادة قبلها.
وجاء دور التنسيق حيث تعمل المنظومة كجسد واحد متعاون متكامل وهذا ينطبق على المؤسسات كما ينطبق على الدول والجيوش.
فنجاح أي عملية استراتيجية يتطلب تنسيقا بين الأدوار وتدفقا للمعلومات وتكاملا في الموارد ووضوحا في المسؤوليات.
فالمؤسسة لا تنتصر لأن لديها إدارة قوية فقط، وإنما لأنها تستطيع أن تجعل الإدارات المختلفة تعمل من أجل هدف واحد.
وهذا أحد أهم دروس أكتوبر القوة الحقيقية لا تأتي فقط من قوة كل جزء وإنما من قدرة الأجزاء على العمل معا.
وأيضا فكرة الخداع الاستراتيجي عندما تكون المعلومة جزءا من الاستراتيجية حيث لا تعني المنافسة أن تكشف كل ما لديك للمنافسين فالشركات تحمي معلوماتها، وتدير توقيت الإعلان عن منتجاتها، وتدرس السوق والمنافسين، وتبني استراتيجياتها بناء على المعلومات المتاحة.
وفي المجال العسكري يأخذ هذا المفهوم أبعادا أكثر حساسية وتعقيدا.
وقد شكل الخداع الاستراتيجي والمفاجأة جانبا مهما من التحضيرات لحرب أكتوبر حيث أنه ليس كل ما تعرفه يجب أن تعلنه، وليس كل ما تخطط له يجب أن تكشف تفاصيله قبل أوانه.
وجاءت فكرة مقالي من إدارة الأزمة إلى صناعة النصر العنصر الهام في القراءة الإدارية لأكتوبر
فالأزمة ليست مجرد حدث يجب التخلص منه ولكنها لحظة لإعادة التفكير وإعادة البناء، وإعادة ترتيب الأولويات.
قد تدفع المؤسسة إلى اكتشاف نقاط ضعفها، وقد تجبرها على تطوير مواردها، وقد تجعلها تعيد بناء قياداتها، وقد تدفعها إلى الابتكار، وقد تخلق لديها قدرة جديدة لم تكن موجودة من قبل.
وهنا يتحول مفهوم إدارة الأزمات من: كيف نخرج من الأزمة؟
إلى: كيف نخرج منها أقوى مما كنا قبلها؟
وهذا هو الفارق بين الإدارة التقليدية والإدارة الاستراتيجية.
ماذا نتعلم من حرب أكتوبر في عالم الأعمال اليوم؟
بعد أكثر من خمسة عقود، لا تزال دروس أكتوبر قابلة للقراءة في عالم الإدارة، ولكن مع إدراك الفارق بين السياق العسكري والسياق المؤسسي.
فالمؤسسات اليوم تواجه أزمات من نوع مختلف أزمات اقتصادية، وتحولات تكنولوجية، واضطرابات في سلاسل الإمداد، ومخاطر سيبرانية، وتغيرات في الأسواق، وأزمات سمعة، وتحولات في سلوك العملاء.
وفي كل هذه الحالات نحتاج إلى المبادئ نفسها التخطيط والاستعداد وإدارة المخاطر والقيادة وإدارة المعلومات والتنسيق وسرعة اتخاذ القرار والمرونة والاستثمار في الإنسان والتعلم بعد الأزمة.
ومن هنا تعلمنا أن النصر صناعة وليس صدفة وأن التاريخ قد يختصر أحيانا سنوات من العمل في لحظة واحدة، لكن وراء اللحظة الناجحة سنوات من الإعداد والتخطيط والتدريب وإدارة الموارد واتخاذ القرارات.
وهذا ينطبق على المؤسسة كما ينطبق على الدولة، فالنجاح الذي يبدو مفاجئا للناس غالبا ما يكون نتيجة طبيعية لتراكم طويل من العمل الذي لم يره أحد.
ولهذا فإن المؤسسات التي تريد النجاح لا ينبغي أن تبحث فقط عن لحظة الانتصار، وإنما عليها أن تبني المنظومة التي تجعل النجاح ممكنا ومستداما.
وأخيرا فإن حرب أكتوبر هي درس في الإدارة قبل أن تكون ذكرى في التاريخ حيث تعلمنا أن الهدف الواضح يصنع الاتجاه، والتخطيط يحول الهدف إلى طريق والإنسان يحول الخطة إلى واقع، والقيادة تجمع الطاقات حول الهدف، والمعلومات تدعم القرار، وإدارة المخاطر تحمي المسار، والتنسيق يحول الموارد المتفرقة إلى قوة متكاملة، والمرونة تمنح المؤسسة القدرة على الاستمرار عندما تتغير الظروف.
رؤيتي حينما اكون واينما أتجه هي أن نبني الإنسان قبل الأزمة، ونطور القيادات قبل التحدي، وندير الموارد قبل أن نحتاج إليها، ونبني السيناريوهات قبل أن نتفاجأ بالمتغيرات، ونجعل التخطيط عادة لا رد فعل.
لأن النصر، في الإدارة كما في الحياة، لا تصنعه لحظة واحدة، بل تصنعه منظومة كاملة من الرؤية والتخطيط والقيادة والإنسان والقرار.
وهكذا يبقى أكتوبر ليس مجرد ذكرى نحتفل بها كل عام، وإنما مدرسة مفتوحة في الإدارة الاستراتيجية وإدارة الأزمات، وصناعة القرار وإدارة الإنسان والموارد، ستظل مدرسة تقول لنا إن تجاوز الأزمة ليس نهاية الطريق،
بل قد يكون بداية لصناعة نصر جديد.



