لم يعد الصقر في المملكة العربية السعودية مجرد رمز لموروث اصيل توارثته الأجيال، وانما أصبح محورا لمنظومة متكاملة تجمع بين التراث والتجارة والتكنولوجيا والفعاليات والسياحة،. وهو ما يظهر بوضوح داخل أروقة معرض الصقور السعودي الدولي 2026 في الرياض.
ومن قلب المعرض، رصدت « النخبة العربية» كيف يتحول الاهتمام بالصقور والصقارة الي نشاط اقتصادي متنوع، تتداخل فيه المنتجات المتخصصة مع التقنيات الحديثة، والمنافسات مع الترفيه، والموروث مع السياحة والفعاليات.
ونظم المركز الوطني للصقور النسخة الحالية من المعرض بمركز الرياض للمعارض والمؤتمرات بملهم شمال الرياض، خلال الفترة من 1 الي 10 اكتوبر 2026، تحت شعار « وجهة للجميع» وعلي مساحة تصل إلي 197 الف متر مربع، بمشاركة 254 عارضا وعلامة تجارية من 20 دولة، ويقدم المعرض علي مدار عشرة أيام برنامجا يجمع الصقارة والصيد والموروث والرحلات والمغامرات والمعرفة والأعمال.
وتأتي هذه النسخة امتدادا لنمو المعرض منذ انطلاقه عام 2018، إذ سجلت نسخة 2025 مبيعات تجاوزت 91 مليون ريال ، مع مشاركة أكثر من 1400 عارض وعلامة تجارية، وهو ما يعكس حجم النشاط التجاري الذي أصبح مرتبطا بالمعرض والقطاع المحيط بالصقور والصيد.
المهندس احمد فوزي: التكنولوجيا تطور أساليب تدريب الصقور
وخلال الجولة الميدانية لـ« النخبة العربية» داخل المعرض ، التقت المهندس احمد فوزي، احد العارضين ، للتعرف علي التطورات التي دخلت عالم الصقور ، وخاصة استخدام التكنولوجيا والطائرات في عمليات التدريب والتنشيط.
وأوضح فوزي أن التطور التكنولوجي أصبح جزءا من عملية تطوير الصقور، مشيرا إلي استخدام الطائرات والمعدات الحديثة في عمليات التدريب ، بما يساعد علي تنشيط الصقر ورفع مستوي جاهزيته وقدرته علي الاستجابة والحركة.
وأشار إلي أن استخدام الطائرات يمثل نموذجا واضحا لدمج التكنولوجيا الحديثة مع الخبرات التقليدية في الصقارة، إذ تتيح الوسائل الحديثة تطوير أساليب التدريب بصورة أكثر تطورا ، مع الحفاظ علي جوهر الممارسة والموروث.
وأكد أن التكنولوجيا لا تلغي الموروث، وانما تساعده علي تطويره، موضحا أن الصقار اليوم اصبح أمام مجموعة من الأدوات والتجهيزات التي يمكن استخدامها في تدريب الصقر وتجهيزه للمنافسات
الطائرات .. التكنولوجيا تدخل ميدان الصقارة
وتكشف تجربة الطائرات المستخدمة أمام الصقور عن جانب مهم في التحول الذي يشهده القطاع.
فالتكنولوجيا لم تعد مقتصرة علي ادوات التصوير أو وسائل العرض داخل المعرض، وانما أصبحت مرتبطة مباشرة بعملية تدريب وتنشيط الصقور، وهو ما يفتح الباب أمام منتجات وخدمات جديدة في سوق متخصصة.
وهنا تظهر أهمية العارضين، إذ يقدم المعرض مساحة كبيرة تجمع الشركات وأصحاب المنتجات المتخصصة مع جمهور يعرف احتياجاته ويبحث عن تقنيات ومعدات أكثر تطورا .

منتجات متخصصة وسوق تتوسع
وخلال الجولة ، رصدت « النخبة العربية» تنوعا في المنتجات والخدمات التي يقدمها العارضون، بما يعكس اتساع السوق المرتبطة بالصقور والصيد.
ولا تقتصر هذه السوق علي الصقور نفسها، وانما تشمل مستلزمات وتجهيزات التدريب والرعاية والمنافسات، إضافة إلي المنتجات والخدمات المرتبطة بالصيد والرحلات والمغامرات.
وهذا التنوع يخلق فرصا أمام الشركات وأصحاب المشاريع لتقديم منتجات متخصصة ، كما يمنح المستهلك فرصة للتعرف علي خيارات متعددة في مكان واحد.
منصور خميس: المركز الوطني للصقور يدعم تنظيم وتطوير القطاع
من جانبه، تحدث منصور خميس ، عضو لجنة المسابقات بالمركز الوطني للصقور ، عن الدور الذي يقوم به المركز في تنظيم المعرض والفعاليات والمسابقات المرتبطة بالصقور.
وأوضح خميس أن تنظيم هذه الفعاليات يأتي في إطار دعم الصقارة والمحافظة علي هذا الموروث وتطويره، الي جانب إتاحة مساحة تجمع الصقارين والمهتمين والعارضين والجمهور في فعالية واحدة.
وأشار إلي أن المعرض أصبح منصة تجمع بين الموروث والمنافسات والمنتجات والخدمات، وهو ما يمنحه أهمية تتجاوز الجانب التراثي الي ابعاد اقتصادية وسياحية وترفيهية.
وأكد أن الإقبال المتزايد علي الفعاليات والمنافسات يعكس الاهتمام بالصقور، كما يساهم في توسيع دائرة المشاركين والعارضين والمهتمين بالقطاع.

المنافسات .. من الرياضة الي النشاط الاقتصادي
وتحتل المنافسات مساحة مهمة داخل المعرض، باعتبارها عنصر جذب للجمهور ووسيلة للحفاظ علي الممارسات المرتبطة بالصقارة وتطويرها.
هذا وتشهد نسخة 2026 تطويرها لسباق الملواح، حيث تقام 12 شوطا مقارنة بستة أشواط في العام السابق، وتصل قيمة الجوائز الي 723 الف ريال ، موزعة بين فئتي الملاك والهواة والمحترفين والنخبة.
كما تعتمد المنافسة علي سرعة الصقر واستجابته لمسافة 200 متر.
وهذا التطور في المنافسات لا يحمل قيمة رياضية وترفيهية فقط، وانما يضيف حركة اقتصادية حول القطاع من خلال المشاركين والمنتجات والتجهيزات والتدريب والفعاليات المصاحبة.
انواع الصقور .. تنوع في القدرات والاستخدامات
ويشير تنوع انواع الصقور الي جانب آخر من خصوصية هذه الصناعة، إذ تختلف الصقور في خصائصها وقدراتها وسرعتها وحجمها وطبيعة استخدامها.
ويؤثر هذا التنوع علي احتياجات الصقار، سواء فيما يتعلق بالتدريب أو التجهيز أو الرعاية أو المشاركة في المنافسات، وهو ما يساهم بدوره في اتساع قاعدة المنتجات والخدمات المتخصصة.
كما أن ربط المزاد والمنافسات يمثل نموذجا علي تطور المنظومة، إذ اقتصرت بعض أشواط سباق الملواح هذا العام علي الفروخ المشتراه من المزاد الدولي لمزارع انتاج الصقور، بما يربط انتاج المزارع بالمسار التنافسي.

المركز الوطني للصقور .. تنظيم وحفظ للموروث
ويأتي الدور التنظيمي للمركز الوطني للصقور ليضع المعرض والمنافسات ضمن منظومة أوسع تهدف إلي المحافظة علي الصقارة وتطويرها ونقل معارفها الي الأجيال الجديدة.
ومنذ إطلاق المعرض عام 2018، عمل المركز علي تقديمه كوجهة عالمية للصقارة والصيد والموروث والمعرفة والرحلات والمغامرات والترفيه والأعمال
ولا يقتصر محتوي النسخة الحالية علي الصقور والصيد، إذ يضم المعرض تجارب ومناطق متنوعة مثل« صقار المستقبل» ومتحف « شلايل» وعالم المحنطات ، وتجارب المقناص والسفاري والصيد البحري والدفع الرباعي والرماية، إضافة إلي ورش العمل والجلسات المتخصصة والبرامج الثقافية والتراثية.
من المعرض الي السياحة
ومن المنظور السياحي، تمنح هذه الفعاليات الزائر تجربة تتجاوز مشاهدة الصقور والمنتجات، لتشمل الثقافة والمغامرة والترفيه والتجارب المتخصصة.
وهذا التنوع يجعل المعرض جزءا من منظومة الفعاليات التي يمكن أن تجذب الزوار من داخل المملكة وخارجها، وتخلق نشاطا مصاحبا في قطاعات النقل والضيافة والخدمات والتسويق.
كما أن إطلاق ختم خاص بالمعرض عبر المديرية العامة للجوازات، بالتعاون مع المركز الوطني للصقور، واتاحته للقادمين عبر عدد من المنافذ الجوية والبرية خلال فترة المعرض، يعكس ارتباط الفعالية بالحركة السياحية والزوار القادمين الي المملكة.
الموروث يتحول الي صناعة
المشهد داخل المعرض يوضح أن الحفاظ علي الموروث لايعني تجميده في صورته التقليدية، وانما يمكن أن يتطور باستخدام التكنولوجيا وفتح المجال أمام الاستثمار والمنتجات الجديدة.
ومن الطائرات المستخدمة في التدريب ، الي المعدات والتجهيزات، مرورا بالمنافسات والمزادات والفعاليات، تتشكل منظومة اقتصادية متكاملة حول الصقور .
وهنا تكمن أهمية المعرض بالنسبة لقطاع الأعمال، فهو يجمع المنتج والمستهلك والمتخصص والهاوي والشركة في مساحة واحدة، ويمنح العارض فرصة للوصول الي جمهور مستهدف، ويمنح الجمهور فرصة لاكتشاف منتجات وتجارب جديدة.

« النخبة العربية» قامت بالتغطية الميدانية داخل معرض الصقور الدولي السعودي من قلب الرياض ، لتؤكد في ختام جولتها من داخل المعرض، أن الصقر الذي ارتبط لسنوات طويلة بالهوية والموروث، أصبح اليوم محورا لسوق تضم منتجات وتقنيات ومعدات وفعاليات ومنافسات، فيما تفتح التكنولوجيا أبوابا جديدة لتطوير التدريب وتنشيط الصقور.
وبين الطائرة الحديثة والصقر الاصيل، وبين المنافسة والمنتج، وبين التراث والسياحة، تتشكل صناعة عاما بعد عام ، ليؤكد معرض الصقور الدولي بالرياض، أن الموروث عندما يجد التنظيم والتقنية والفعاليات المناسبة، يمكن أن يتحول الي منصة اقتصادية وسياحية قادرة علي جذب الجمهور وصناعة الفرص.



